عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
409
اللباب في علوم الكتاب
وقال مقاتل : نزلت في النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأبي جهل ، وذلك أنّه قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشّرف ، حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا : منّا نبيّ يوحى إليه ، واللّه لا نؤمن به إلّا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، فنزلت الآية الكريمة « 1 » . القول الثاني : أنّ هذه الآية الكريمة عامّة في حقّ المؤمنين والكافرين ، وهذا هو الحقّ ؛ لأن تخصيص العامّ بغير دليل تحكّم ؛ وأيضا : فلقولهم إن السّورة نزلت دفعة واحدة ، فالقول بأنّ سبب هذه الآية الكريمة المعيّنة كذا وكذا مشكل . قوله : « كَذلِكَ زُيِّنَ » نعت لمصدر ، فقدّره بعضهم : « زيّن للكافرين تزيينا كما أحيينا المؤمنين » وقدّره آخرون : « زين للكافرين تزيينا لكون الكافرين في ظلمات مقيمين فيها » والفاعل المحذوف من « زيّن » المنوب عنه هو اللّه - تعالى - ويجوز أن يكون الشّيطان ، وقد صرّح بكلّ من الفاعلين مع لفظ « زيّن » ، قال - تعالى - : زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [ النمل : 4 ] ، وقال - تعالى - : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [ العنكبوت : 38 ] ، و « ما كانُوا يَعْمَلُونَ » : هو القائم مقام الفاعل ، و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسميّة أو حرفيّة أو نكرة موصوفة والعائد على القول الأول والثالث محذوف ، دون الثاني عند الجمهور ، على ما عرف غير مرّة . وقال الزجاج « 2 » : « موضع الكاف رفع ، والمعنى : مثل ذلك الذي قصصنا عليك ، زيّن للكافرين أعمالهم » . فصل في بيان خلق الأفعال دلّت هذه الآية الكريمة على أن الكفر ، والإيمان من اللّه تعالى ؛ لأن قوله « فأحييناه » وقوله : وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كناية عن المعرفة ، والهدى ؛ وذلك يدلّ على أنّ هذه الأمور من اللّه - تبارك وتعالى - والدلائل العقلية ساعدت على صحّته ، وهو دليل الداعي المتقدم . وأيضا فالعاقل لا يختار الجهل ، والكفر لنفسه ؛ فمن المحال أن يختار الإنسان جعل نفسه كافرا جاهلا ، فلما قصد لتحصيل الإيمان والمعرفة ، ولم يحصل له ذلك ، وإنما حصل ضدّه ، وهو : الكفر ، والجهل ؛ علمنا أنّ ذلك بإيجاد غيره . فإن قيل : إنّما اختاره لاعتقاده في ذلك الجهل ، أنّه علم . فالجواب : أنّ حاصل هذا الكلام أنه إنما اختار هذا الجهل لسابقة جهل آخر ، والكلام في ذلك الجهل السّابق كما في المسبوق كذلك إلى غير نهاية ، فوجب الانتهاء إلى جهل يحصل فيه لا بإيجاده ، وهو المطلوب .
--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 317 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 63 .